الشيخ محمد أمين زين الدين
106
كلمة التقوى
مكروهاته وعن جميع فضول الحديث ومشتبهاته وما لا يحمد ولا يحسن منه ، فيعتصم عن جميع ذلك بالصمت ، وبالعبادة وتلاوة الكتاب وقراءة الدعاء ، والذكر والاستغفار ، أو بالقول النافع المجدي في الدين والدنيا . وصوم السمع أن يصون المكلف جارحته عن الإصغاء لأي محرم وباطل وأي إفك وزور وأي قول منكر أو فعل مكروه أو مشتبه ، ولأي سفه يوجب استماعه للمرء حزازة في الدين أو نقصا في المروءة ، أو ضعة في النفس أو في الخلق . وهكذا في صوم بصره وسائر جوارحه ومشاعره ، فيصونها عن الانحراف أو الشذوذ أو الميل في السلوك الصحيح وعن كل ما يخدش ويريب ، ويتجه بها جميعا إلى النافع المجدي من الحركات والأعمال الزكية . وما ظنك بعبد يطوع جميع جوارحه في صومه هذا التطوع ، ويحوطها هذه الحياطة ، ويسمو بعقله وقلبه ونفسه ومشاعره هذا السمو ، فهل يبقى مجال من مجالات الخير الأعلى والكمال الإنساني الرفيع ، لا يستطيع هذا العبد بلوغه ؟ وهل تبقى غاية من غايات النفوس الكريمة لا يستطيع إدراكها ؟ . ولهذه الدرجة كذلك مراتب تحصل من دقة مراقبة المرء لنفسه ومحاسبته إياها عما قد تميل إليه أو تنزلق فيه في بعض المواقف أو إزاء بعض الأهواء المرغوبة . ولا ضير على السالك إذا ضعف يوما أو ساعة ، أو قصر أو قهر في بعض المجاهدات ، وكان ضعفه أو قصوره في ما لا يضر بدينه - كما هو المفروض - ، ولا سيما إذا عاد فثابر قويا في مجاهدته ومحاسبته ، وقد يكون بعد عودته ومثابرته أقوى جلدا على الجهاد والمحاسبة منه قبل ذلك ، وقد يكون بعد عودته ومصابرته في الجهاد أرفع منزلة وأكثر سموا وارتفاعا منه قبل ، ولكن المنازل تكون مختلفة على أي حال . وأرقى درجات الصوم وأسماها شأنا ومقاما هو صوم الصفوة المنتجبة الخالصة من النبيين صلى الله عليه وآله وأوصيائهم المعصومين ( ع ) ، وصوم هذه الطبقة المصطفاة ، هو أن يصون الصائم منها عقله وقلبه ونفسه ومشاعره ، وسره وعلانيته عن الفكر بغير الله ، بل وعن الغفلة عنه ، والنسيان والتناسي لمواعيده ،